المزمن والظروف القاسية، قد تلعب دوراً محورياً في ظهور أعراض الاكتئاب والقلق.
هذا الاكتشاف الذي تم التوصل إليه عبر دراسة على الفئران ونُشر في دورية Nature Communications يسلط الضوء على الدور الذي يمكن أن يلعبه "الالتهاب" في الاضطرابات المزاجية، مما يفتح آفاقاً جديدة للبحث عن علاجات مبتكرة، خاصة لأولئك الذين لا تستجيب حالاتهم للعلاجات الحالية.
عندما يتحول الجهاز المناعي إلى "إنذار" لا يتوقف
يُشخص حوالي مليار شخص حول العالم باضطرابات مزاجية في مرحلة ما من حياتهم. وبينما تتعدد الأسباب، ربطت الأبحاث بين الاكتئاب و"الالتهاب المزمن" وهو الحالة التي يظل فيها الجهاز المناعي نشطاً لفترة طويلة حتى في غياب عدوى أو إصابة.
سعت الدراسة الجديدة لاختبار فرضية مفادها أن التوتر المزمن يؤدي إلى إطلاق نوع من خلايا الدم البيضاء تُسمى "العدلات" (Neutrophils) من نخاع عظم الجمجمة. هذه الخلايا تتجمع في السحايا (الأغشية التي تغطي وتحمي الدماغ والحبل الشوكي) وتساهم في ظهور أعراض الاكتئاب.
نتائج التجربة: كيف يغير التوتر بيئة الدماغ؟
باستخدام نماذج مخبرية تعرضت لتوتر اجتماعي مزمن، وجد الباحثون ما يلي:
-
زيادة ملحوظة في الخلايا: أدى التعرض الطويل للتوتر إلى ارتفاع كبير في مستويات "العدلات" داخل أغشية السحايا، وهو ما ارتبط بظهور سلوكيات اكتئابية.
-
بقاء طويل الأمد: حتى بعد انتهاء فترة التوتر، استمر وجود هذه الخلايا في أغشية الدماغ لفترة أطول من بقائها في الدم.
-
إشارة "الإنذار الجيني": وجد الباحثون أن التوتر يحفز إشارة إنذار تُعرف بـ (Type I interferon). وعندما قام العلماء بتعطيل هذا المسار (أي إطفاء جهاز الإنذار)، انخفض عدد الخلايا في أغشية الدماغ وتحسن السلوك الاكتئابي بشكل ملحوظ.
أمل جديد لمن لا يستجيبون لمضادات الاكتئاب
تقول الدكتورة ستايسي كيغار من قسم الطب بجامعة كامبريدج: "يساعد عملنا في شرح كيف يمكن للتوتر المزمن أن يؤدي إلى تغييرات دائمة في البيئة المناعية للدماغ. هناك نسبة كبيرة من المرضى، قد تصل إلى واحد من كل ثلاثة، لا تنجح معهم مضادات الاكتئاب التقليدية التي تعمل على كيمياء الدماغ فقط. إذا استطعنا فهم ما يحدث في الجهاز المناعي، فقد نتمكن من تخفيف أعراض الاكتئاب عبر استهدافه مباشرة".
لماذا تذهب هذه الخلايا إلى الدماغ؟
لا يزال السبب الدقيق لتجمع "العدلات" في السحايا قيد البحث، ولكن هناك فرضيتان:
-
فرضية الإصلاح: قد يتسبب التوتر المزمن في حدوث نزيف مجهري بسيط في أوعية الدماغ، فتندفع هذه الخلايا كـ "أول المستجيبين" لإصلاح الضرر، لكنها قد تلتصق بالأوعية وتسبب التهاباً إضافياً.
-
فرضية المرض: تشبه الحالة ما نشعر به عند الإصابة بالإنفلونزا؛ حيث ننسحب اجتماعياً ونفقد الشهية وننام كثيراً بسبب استجابة المناعة. إذا كان الجهاز المناعي في حالة تأهب دائمة (التهاب مزمن)، فمن الطبيعي أن تستمر هذه الأعراض لتتحول إلى اكتئاب طويل الأمد.
آفاق المستقبل: بصمة حيوية للعلاج
قد توفر هذه النتائج "بصمة حيوية" (Biomarker) تساعد الأطباء في تحديد المرضى الذين يرتبط اكتئابهم بالالتهاب، مما يسمح بتصميم تجارب سريرية لأدوية تستهدف الالتهاب بدقة. كما قد يفسر الاكتشاف لماذا يعد الاكتئاب عرضاً شائعاً في أمراض عصبية أخرى مثل السكتة الدماغية وألزهايمر، ولماذا يعتبر الاكتئاب نفسه عامل خطر للإصابة بمرض الخرف في وقت لاحق من الحياة.


