n2.jpeg
previous arrow
next arrow
Shadow

لا تقتصر على المنظومة التنفسية والرئتين فحسب، بل تمتد لتشن هجوماً متعدد الجبهات يطال أعضاء حيوية أخرى كالقلب، والأوعية الدموية، والأمعاء، والدماغ، والكليتين. وفي هذا السياق، يوضح د. هارلان كرومهولز (طبيب القلب من جامعة ييل) أن المرض يمتلك القدرة على اختراق كافة أجزاء الجسم وتدميرها.

وبناءً على تقرير موسع نشره موقع "Science"، تتضح معالم الآلية التي يتبعها الفيروس لمهاجمة أجساد ضحاياه والفتك بالحالات الحرجة عبر المراحل والمسارات التالية:

1. بوابة العبور والتكاثر الأولي (الأنف والحلق)

تبدأ الرحلة عند استنشاق الرذاذ المحمل بالفيروس، ليستقر في بطانة الأنف والحلق. وهنا، يجد الفيروس مستقبلاً خلوياً يُعرف بـ "ACE2" (الإنزيم المحول للأنجيوتنسين 2)؛ حيث يلتصق البروتين السطحي النتوءي للفيروس (Spike Protein) بهذا الإنزيم ليعبر من خلاله إلى داخل الخلايا، ويبدأ في التكاثر السريع لمهاجمة خلايا جديدة.

  • الأعراض الأولية: قد لا تظهر أي أعراض في البداية، أو تبدأ خفيفة كالحمى، والسعال الجاف، والتهاب الحلق، وفقدان حاسة الشم أو التذوق، وآلام الجسد والرأس.

2. غزو الرئتين وانهيار حصون الأكسجين

إذا عجز الجهاز المناعي عن كبح الفيروس في مرحلته الأولى، ينحدر عبر القصبة الهوائية مستهدفاً الرئتين، وهنا تكمن الخطورة الكبرى؛ نظراً لأن الأكياس الهوائية الصغيرة (الحويصلات الهوائية) مبطنة بخلايا غنية جداً بمستقبلات "ACE2".

  • معركة المناعة: يؤدي الهجوم إلى تعطيل آلية تبادل الأكسجين؛ فيتدخل جهاز المناعة وتطلق خلايا الدم البيضاء جزيئات إشارية تُدعى "الكيموكينات" (Chemokines) لاستدعاء خلايا مناعية إضافية لقتل الخلايا المصابة، مما يخلف وراءه صديداً وبقايا خلايا ميتة، ينشأ عنها الالتهاب الرئوي (Pneumonia).

  • متلازمة الضائقة التنفسية الحادة (ARDS): في الحالات الحرجة، تنخفض مستويات الأكسجين في الدم بشكل حاد وتنهار جدران الحويصلات الهوائية بعد أن تمتلئ بالسوائل والمخاط، مما يستدعي وضع المريض على أجهزة التنفس الصناعي، وهي المرحلة التي ينتهي المطاف بالكثير منها إلى الوفاة.

3. الهجوم متعدد الأعضاء (Multi-Organ Damage)

أثبتت الدراسات وعمليات التشريح أن الفيروس -أو رد فعل الجسم العنيف تجاهه- يسبب تلفاً واسع النطاق في أعضاء أخرى:

  • القلب والأوعية الدموية: يرتبط الفيروس بمستقبلات "ACE2" على أسطح خلايا الأوعية الدموية، مسبباً جلطات ونوبات قلبية؛ حيث أظهرت الأبحاث أن حوالي 20% إلى 44% من المرضى في المشافي عانوا من اضطرابات وتلف في عضلة القلب.

  • الكلى والكبد: يُعد الفشل الكلوي شائعاً في الحالات الشديدة بنسبة تصل إلى 27% نتيجة الهجوم المباشر أو انخفاض ضغط الدم. كما ترتفع إنزيمات الكبد؛ مما يشير إلى تدهور حالته إما بسبب فرط نشاط المناعة أو التأثيرات الجانبية للأدوية.

  • الجهاز الهضمي (الأمعاء): يهاجم الفيروس الأمعاء الدقيقة الغنية بمستقبلات "ACE2"؛ مما يفسر إصابة ما لا يقل عن 20% من المرضى بأعراض الإسهال.

  • الجهاز العصبي (الدماغ والأنف): يعاني بعض المرضى من سكتات دماغية، ونوبات ارتباك عقلي، والتهاب الدماغ؛ لوجود المستقبلات في القشرة العصبية وجذع الدماغ. كما يتسبب تلف الخلايا والنهايات العصبية في أعلى الأنف بفقدان حاسة الشم.

  • العينان: يُعد التهاب الملتحمة (Conjunctivitis) وغشاء العين الأمامي من الأعراض الشائعة لدى أصحاب الحالات الحرجة.

عاصفة السيتوكين: عندما يقتل الجسم نفسه

في كثير من الأحيان، لا يكون الفيروس نفسه هو القاتل المباشر، بل الاستجابة المفرطة والانتحارية للجهاز المناعي، والتي تُعرف بـ "عاصفة السيتوكين" (Cytokine Storm).

والسيتوكينات هي بروتينات مسؤولة عن التواصل بين الخلايا المناعية، وعندما تفرز بكميات هائلة وخارجة عن السيطرة، تبدأ الخلايا المناعية في مهاجمة الأنسجة السليمة؛ مما يتسبب في حدوث تسريب في الأوعية الدموية، وهبوط حاد في ضغط الدم، وتجلط منتشر، وفشل أعضاء الجسم المتتابع (Multiple Organ Failure).